المقالات

أغصان المنازل مع غياب الجذع !!

هناك نوعان من اليتم الذي يقع فيه الأولاد أحدهما في موت الأب أو الأم أو كلاهما معا واليتم الغير طبيعي عندما يعيش الأولاد في حياة والديهما أو في حياة أحدهما دون رعاية ولا عناية أو بتشدد يفقدهما السيطرة من خلال التعامل بما يجب أن يكون من حنان وعاطفة دونما إفراط ولازتفريط وبالتأكيد فإن هذا النوع يكون نتيجة لتخلي الوالدين أو أحدهما عن الواجبات نحو الأسرة بمكوناتها الاجتماعية والأدهى أن يتشبثا في حقوقهما وينسيان ما عليهما من واجبات وهنا يبدأ الخلل وتبدأ شوكة الميزان تتأرجح بين كفتي الحقوق والواجبات بين الطرفين والتي ينشأ على أثرهما التفكك الأسري حتى يصل إلى درجة الإهمال الذي يقع بسببه ربما النفور القسري الصامت منه والمعلن وكلاهما مرٌّ على البيت الذي يعتبره الشارع سكن آمن في حياة الأسرة .
” أغصان المنازل “هذا العنوان الذي وسّمت به الروائية الشاعرة القاصة الدكتورة ( منى الغامدي ) والذي قدم لروايتها الدكتور صالح معيض الغامدي المشرف عليها في رسالة الماجستير حيث أشار إلى جدّيتها في البحث كما وجدّيتها في السرد هنا بقوله : إنه نص سردي جميل اخلصت فيه الكاتبة لإبداعها السردي ولم تلوثه الخلفية النقدية للكاتبة وأضاف بأن الرواية كتبت بسرد شفاف بضمير المتكلم بمعنى أن بطلة الرواية لم تكن اسما غائبا افتراضياً وأن الشخوص في الرواية هم أشخاص واقعيون وليسوا افتراضيون كذلك كما في الكثير من الروايات التي نقرأها ولا نعلم من هم أبطالها الحقيقيون المستترون خلف الخيال بدءا وانتهاء حتى لا يعرف اتجاهها .
الروائية هنا شخصت أدوار وأطوار هذه الرواية وأوحت بأن أغصان المنازل الثلاثة عشر عاشت مع شبه غياب للجذع بدءاً بمنزل والدها في الباحة ثم منزله في مكة وانتهاءً بأحد عشر منزل في جدة والتي عاشت فيها كانت بفرع واحد أنجب مجموعة من اأاغصان عاشت مأساة واحدة لعشرات السنين التي مرت بها بين سندان السنين ومطرقة التكوين بين سنين عجاف كانت محفوفة بالآلام والمخاطر التي كانت تلاحقها وبين آمال العفاف التي ظلت معلقة بصيرورة الحياة التي ربما وقفت في وجهها وعاندت من كان حولها من مكونات أسرتها التي اعتبرتهم فرع يمثله الأم وأغصان يمثلها الاولاد في غياب الجذع لأسباب لم تخفها عن القارئ بل ذكرتها بكل ما فيها من تفاصيل معيشية وتربوية وتعليمية واجتماعية واقتصادية وثقافية وهي التي عاشت بين بيئات قروية ومدنية طغت عليها الحياة في المدينة بالذات جدة أكثر واعتبرتها المنطلق الذي عبرت فيه عن طفولتها وصيرورة حياتها مع زميلاتها في مراحل التعليم العام حتى المرحلة الثانوية التي افترقت وزميلتها إيمان قبل ربع قرن إلى جانب صديقتها خديجة التي تحدثت عنها أكثر والتي كان تواصلها معها فاصلا بينها وبين الحياة البائسة اليائسة وبين التحرر من التأنيب الذي كانت تتلقاه مصحوبا في بعض المواقف بالعنف ربما دون مبرر سوى أن من يمارس معها هذا العنف ربما يجيد الإدارة ولا القيادة وأن مجابهته من أصعب الصعوبات أمام بطلة الرواية التي قد تصنفها بانحياز الذات سلبيا الذي عاشته رغم أنها تأباه شرعاً وعرفاً .
أغصان المنازل عنوان يوحي للقارئ الفطن بأن الروائية اختارته بعناية وكناية عن أن هذه المنازل كانت تعيش على فرع وعدة اغصان رغم غياب الجذع وهي هنا تجمع بين الواقعية والافتراضية متجاهلة الجذع – الذي تتفرع منه هذه الاغصان – لعدم تحمله أعباء حياة الفرع والأغصان المثمرة المهملة المعتمدة على نفسها في التغذية بكل ما تعنيه الكلمة ولأن هذا الفرع كان يعيش نفس المأساة التي عاشته الغصون بسبب انصراف الجذع ليعيش بفرع آخر دخيل نتج عنه أغصان جديدة زادت من معاناة الفرع الأصلي والأغصان المتفرعة منه حيث عاشت في انقطاع من الموارد بعد تخلي الجذع الصلب عن واجباته حتى اعتبرته سببا آخر في سلسلة المآسي التي زادت من النفور والتجافي وعدم الاهتمام بذلك الفرع وما يحمل من أعباء لتغذية الأغصان البشرية .
هذه الرواية من وجهة نظري بدعا عن كل الروايات إذ اعتمدت على بطلة وشخوص وأمكنة حقيقية ليست وليسوا افتراضيين بل انطلقت من أسرة بجميع مكوناتها عاشت في بيئات مختلفة بجميع تفاصيلها وكان السرد فيها عبارة عن فصول أشبه بكوبليهات أغاني أم كلثوم التي تتمنى تكرارها لجماليات الأداء فيها وما يصحبه من لحن وعزف هكذا هي فصول هذه الرواية وأحداثها ولكن بصورة عكسية مأساوية سلبا واستلابا فما أن تقرأ جزئية حتى تعيد قراءتها مرة ومرتين لا للاستمتاع بقدر ما تعيش تنغيصات الحياة ومرارتها وانعكاساتها النفسية وأنت تضع نفسك مكان البطلة ومكان كل شخص في الرواية تصارع أمواج حياة أمواجها عاتية لكل منهم على حدة وتتموضع في مكانه ومكانته لتمارس ما عليك من واجبات وتنتظر ما لك من حقوق حتى تشفع لنفسك بما يجب أن تعبر به عن تلك المآسي التي غرست مخالبها في لُحمة الأسرة فشتتها وضيّعت فيها الحقوق والواجبات التي انعكست على سوء العلاقات بين مكوناتها وكان الموت من وجهة نظر البطلة إيحائياً رغم قسوته حلّا أمامها أسدل فصول مسرحية الحياة التعيسة بالفقد لا بالبقاء .

الرواية كانت فصولا من المآسي العائلية الواقعية الجريئة في طرحها لربما أن مثيلاتها الافتراضية قد تكون أكثر شناعة وأكثر تفككا وأكثر إيلاما عندما تكون الدكتاتورية وتضخم الأنا هي السمة السائدة في الجذع مع الفرع والأغصان الذي شبهت به مكونات الأسرة ولأن الروائية هنا روت تفاصيلها بشفافية فإن هذا لا يعيب روايتها ولا يمثل امنياتها بل اعتبرها دروسا يستفاد منها لكثير من الأسر التي يغلب على ربان سفينتها السير بلا بوصلة تجاه الهدف مما يضيع الاتجاه ويعيش الكل في ضياع كان بالإمكان التخلي عن بعض ملذات الحياة التي قد تكون سببا في الفقر المادي والمعنوي على حساب التكوين الذي يجمع ولا يشتت يبني ولا يهدم .
انعطاف قلم :
الرواية بدأت من جدة بمآسيها وعادت إلى جدة بمحامدها مرورا بخمسة منازل بين المد والجزر في تقلبات الحياة وظل شبح النكد يطارد بطلة الرواية ومع كل سني ومفازات حياتها إلا أنها خرجت منها بأعجوبة وبنجاحات فردية ذاتية مبهرة بعد أن تغلبت على كل ما مرّ بها من عتبات لكنها كانت بالنسبة لها منطلقات لفضاءات أرحب .

عبدالله أحمد غريب

نائب رئيس نادي الباحة الأدبي السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى