المقالات

قراءة في أوراق الخريف

ارتبط فصل الخريف منذ أمد بعيد بموسم الحصاد، حيث تبدأ فيه أوراق وثمار الأشجار بالتساقط بعد النضج والاستواء، ويتم قطف الثمرات والمحاصيل الزراعية، فيكون الخريف بذلك موسم الانتهاء من تعب الزراعة وعَنَائها والاستمتاع بجناها وخيراتها. هكذا عرف الناس الخريف وهكذا يعيشونه كتغير موسمي يمر كل عام، حيث يعيش المزارعون مشاعر فرح عميق بهذا الحصاد؛ لأنه يمثل خلاصة تعبهم وكدحهم في زراعة أراضيهم واستصلاحها.

وتشير تعبيرات الخريف الشعرية إلى ما يشبه هذا المعنى، وميل العلاقات والمشاعر إلى كمالها ونضجها وربما انتهائها، وقد أكثر الشعراء من اختيار الخريف لنسج إبداعاتهم الشعرية؛ لأنه أقرب لشاعريتهم وأحاسيسهم، فالشعر أساسًا هو ترجمة الشعور وإظهار المشاعر المحتبسة. وسُطِّرت قصائد ذات إبداعات متعددة تستخدم الخريف وتشير إلى دلالات إنسانية وعاطفية مختلفة.

وقد كتب الشاعر المتألق إبراهيم ناجي قصيدة أسماها “الخريف”، استهلها بوصف أجوائه وأحاسيسه بالغيوم والسحاب المركوم بلا مطر، ليعبر عن فقده وحنينه لمن يحب. وقد عاتب الشاعر نفسه، حيث ترك محبوبه وأعرض عنه وذهب يبحث عنه في كل شبيه ليرضي قلبه ومشاعره ويحتفظ بغروره وترفعه، فيتساءل:

“كيف جانبتك أبغي سلوةً، ثم ناجيتك في كل شبيه؟”

ووصف هذه الحالة باحتواء الكون كله لوجه محبوبه، فأينما ذهب وجده، وكأنه يعبر عن عجزه عن إيجاد البديل، فيخاطبه بقوله:
“أيها الساكن عيني ودمي، أين في الدنيا مكانٌ لستَ فيه؟”

والحقيقة التي يعلمها كل الناس، على تفاوت بينهم، أن من يختلط بالروح ويسكن العين والدم، سيتنقل مع صاحبه في كل مكان، وسيعيش معه في كل زمان، وكأنه جزء منه ولصيق لذاته. ولذا كان الشاعر يتساءل في قصيدته:
“أين في الدنيا مكانٌ لست فيه؟”

أي: لا يوجد مكان على وجه الأرض يخلو من وجه وروح محبوبه طالما يحمله في أعماقه.

وما أدق تعبير الشاعر إبراهيم ناجي عن قِصَر علاقته التي لم تسمح له بطول السعادة والسرور، إذ عبر عنها بقوله:

“يا قمارى الروض في أيك الهوى
جفت الروضةُ من بعد النديمْ
حلَّ بالأيك خريفٌ منكر
وظلالٌ قاتماتٌ وغيوم..”

فجفاف العاطفة من أقوى العقبات التي تعترض الإنسان ذي الأحاسيس المرهفة والشعور الحي. ومن المؤكد أن الشاعر إبراهيم ناجي كانت عواطفه متقدة حين كتب هذه القصيدة، وكان شعوره ينطق صدقًا وإحساسًا، لكنه في سن متأخرة جعله أكثر صدقًا وأقوى تعبيرًا. اتضح ذلك من خلال ربطه بين الخريف وبين مضي العمر والتقدم في السن، حيث يكون بعد ربيع العمر خريفه، وبعد شبابه هرمه، مما يؤجج المشاعر ويعزز صدقها ووضوحها:

“يا فؤادي العمر سِفْرٌ وانطوى
وتبقتْ صفحة قبل النوى
ما الذي يغريك بالدنيا سوى
ذلك الوجه، وذياك الهوى؟!”

إن التصويرات الإبداعية في قصيدة “الخريف” تشير إلى أنها نبعت من أعماق الشاعر، وتجلت كشعر عاطفي عميق، وتتيح لنا فرصة مراجعة أنظمتنا العاطفية وطبيعة العلاقات الإنسانية التي تمر بنا:

“يا حبيبي غيمةٌ في خاطري
وجفوني وعلى الأفق سحابهْ
غفر اللهُ لها ما صنعت
كلما شاكيتها تندى كآبهْ”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى