
إن إفاقة بعض الأفراد وخروجهم من الذوبان في التيار العام تبقى إفاقة فردية حيث تستمر عقلية القطيع مهيمنة ويستمر التيار في مجراه مهما ظهر من مفكرين ومهما بلغت قوة أفكارهم ……
هكذا ظهر في إسرائيل مفكرون ضد اسرائيل فالمؤرخون الجدد يمثلون تيارًا ناشطًا وهم أساتذة جامعيون ومؤلفاتهم تُنشر في إسرائيل وفي كل العالم وتُقابَل بإشادات على مستوى العالم لكن المفكرين يقرؤون لبعضهم لكنهم لا يؤثرون في العقل الجمعي ….
لقد استغرَبَ البعضُ من قيام المفكر اليهودي إيلان بابيه بنقد إسرائيل نقدًا علميا متواصلا في عدد من الكتب رغم أنه يهودي وأن هذا النقد العلمي قد أدى إلى مقاطعته من أقرب الناس إليه وأرى بأن علينا أن ننتبه إلى أنه خلال التاريخ البشري كله كان الفلاسفة وكبار المفكرين يخرجون في مختلف المجتمعات ويعلنون أفكارًا تتعارض مع السائد ولكنهم يبقون منبوذين في مجتمعاتهم فهم مغايرون تماما للتفكير السائد لذلك يرفضهم المجتمع فلا يأتي تأثيرهم إلا متأخرًا أو لا يأتي أبدا …..
إن التفرد والانفصال عن تفكير القطيع هو الذي طوَّر الحضارة فالاستمرار على نفس النمط من التفكير يُبقي الحضارة في نفس المستوى بل إن الحضارة قد تنتكس وتتراجع كما حصل خلال القرون المظلمة في أوروبا فقد جاء ذلك الظلام الذي جمد العقل الأوروبي عشرة قرون وقد حصل ذلك بعد الإشراق الفلسفي الباهر في أثينا وبعض المدن اليونانية ……
إن كل تقدم حضاري هو وثبةٌ تتجاوز السائد فالنمو يتطلب كسر بعض المسلمات كما يتطلب خلق إضافات إيجابية بل قد يستوجب حصول تحول نوعي أما بدون هذه الاختراقات الفردية فإن الحضارة لا تتقدم أبدًا …..
لذلك تدوم الخلافات والصراعات بين الأمم فالإنسان لا يستجيب إلا لما يتفق مع ما تطبع به ويدغدغ رغباته وأهواءه واحتياجاته ……
إن التفرد يحصل في كل المجتمعات لكن الكثير من الرواد يطويهم الزمن دون أن يستجاب لهم بل وقد لا يتذكر الأخلاف الرواد المضيئين إلا بالردود الموجهة إليهم والتجريح الذي تتوارثه الأجيال عنهم كما هو شأن الفارابي والرازي وابن سينا …..
إن انعتاق الحضارة من المعوقات بالغ الصعوبة وما تزال الإنسانية تعاني من حماقات البشر وجهلهم وغرورهم وغطرستهم ……
المهم أن ندرك أنه ليس غريبًا أن يظهر يهودي معارضًا للانتهاكات الفظيعة التي تمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين بل وأن يتفرغ لفضح مخططات التهجير والإحلال لكن تأثير الصوت الموضوعي يبقى تأثيرًا ضئيلا فالعموم لا يصغون لصوت العقل ولا يلتفتون لوميض الحقيقة وإنما يستجيبون للمحرض ويعجبون بالمهرجين والمضللين …..
لم يكن إيلان بابيه وحيدًا في هذا التوجُّه النقدي وإنما بعد اجتياح لبنان عام 1982 حصلت يقظة من بعض المفكرين وقد نشط هؤلاء المفكرون في مراجعة التاريخ اليهودي وكشف التضليل الذي مورس على العالم كله حيث أُوهم العالم بأن اليهود قد طُردوا من فلسطين في العهد الروماني وبأن فلسطين بقيت أرضًا خالية حتى عاد إليها اليهود مرة أخرى ……
لقد حصل تضليل فظيع وصدَّقه الغرب لأن لديه القابلية لهذا التصديق فالعداوة التاريخية ما زالت ذات فاعلية قوية في العلاقة مع الغرب.