يُعتبر التسول من أبرز الظواهر الاجتماعية التي تؤرق المجتمعات في مختلف أنحاء العالم، ولا يقتصر الأمر على دول معينة أو فئات معينة، بل إنه يشمل كافة الطبقات الاجتماعية سواء في الدول الغنية أو الفقيرة. في الآونة الأخيرة، أصبحت ظاهرة التسول أكثر وضوحاً خاصة في شهر رمضان المبارك، حيث يزداد إقبال المتسولين على استغلال قدسية الشهر الكريم وما يرتبط به من تزايد فرص العطاء والتصدق.
فالتسول كما تعرفون هو طلب المال أو المساعدة من الآخرين، وغالباً ما يكون عن طريق إظهار الفقر أو الحاجة. ورغم أن هناك حالات إنسانية حقيقية تتطلب الدعم والمساعدة، إلا أن التسول في كثير من الأحيان يتحول إلى ظاهرة مقلقة تؤثر سلباً على المجتمع. ففي هذا السياق، يعبر التسول عن غياب الإبداع والقدرة على الاعتماد على النفس، ويشجع على ثقافة الاتكالية. و من أبرز الأسباب التي تدفع إلى التسول هي الفقر المدقع، البطالة، والانحرافات الاجتماعية. ومع ذلك، فإن التسول لا يقتصر على هؤلاء الذين يواجهون صعوبة اقتصادية حقيقية، بل يشمل أحياناً أولئك الذين اختاروا هذه الطريقة كمصدر دخل سهل دون بذل أي جهد حقيقي. فظاهرة التسول تعتبر من أخطر الظواهر التي تضر بالمجتمع بشكل عام، حيث أن لها العديد من التأثيرات السلبية ، وهي كالتالي:
1. قتل فرص العمل والاعتماد على النفس: فالتسول يشجع على الاتكالية ويضعف الشعور بالمسئولية. حيث يشعر الأفراد الذين يمارسون هذه الظاهرة بأنه يمكنهم الحصول على المال بسهولة دون الحاجة للعمل الجاد، مما يؤدي إلى قتل الفرص التي يمكن أن يوفرها سوق العمل. وهذا بدوره يؤثر على الاقتصاد الوطني.
2. ضعف الهمم والطموح: التسول يُحبط الأفراد ويجعلهم يتخلون عن السعي لتحقيق طموحاتهم الشخصية والمهنية. بدلاً من السعي لتحسين أوضاعهم، فيلجأ بعض الناس إلى التسول كحل سريع، مما يقضي على عزيمتهم وإرادتهم لتحقيق النجاح.
3. تأثيرات اجتماعية ونفسية: فالتسول يُضعف من القيم المجتمعية التي تقوم على العمل الجاد والتعاون. إن هذا النوع من السلوك يرسخ مفهوماً خاطئاً في أذهان الأفراد وخاصة الشباب، وهو أن الحصول على المال لا يتطلب بذل جهد أو تحمل مسئولية.
4. تهديد لسلامة المجتمع: فمع انتشار ظاهرة التسول، يمكن أن يتسبب المتسولون في إزعاج الناس وإعاقة حياتهم اليومية، حيث يتواجدون في الأماكن العامة والأحياء السكنية بشكل متكرر. قد يترافق التسول أيضاً مع بعض الظواهر السلبية مثل الاحتيال أو استغلال المواطنين. يُلاحظ أن ظاهرة التسول ترتبط بشكل رئيسي بأوقات معينة مثل شهر رمضان، حيث يُضاعف المتسولون من تواجدهم في الأماكن العامة والمساجد.
إن مواجهة ظاهرة التسول تتطلب تكاتف الجهود بين الجهات المختصة وأفراد المجتمع من مواطنين ومقيمين ووافدين. حيث يمكن للجهات الحكومية تطبيق قوانين صارمة للحد من التسول، مثل الحملات التوعوية التي تستهدف المواطنين والمقيمين بتوضيح آثار التسول السلبية، بالإضافة إلى تعزيز فرص العمل والمشاريع التي توفر فرصاً حقيقية للأفراد. و من المهم أيضاً تعزيز قيم العمل الجاد والاعتماد على النفس منذ الصغر في المناهج التعليمية، وتوفير فرص التدريب والتوظيف للأشخاص المعرضين للتسول. وعلى أفراد المجتمع أن يتحملوا مسئولياتهم في مساعدة المتسولين بطريقة تضمن لهم حياة كريمة دون الوقوع في دائرة الاتكالية.
و في شهر رمضان المبارك، تزداد فرص التسول بشكل ملحوظ. لأن المتسولين يعتقدون بأنهم سيحظون بمزيد من العطاء والصدقات خلال هذا الشهر الكريم، خاصة في المساجد والأماكن العامة التي يكثر فيها الناس الذين يتسابقون على فعل الخير. ومع ذلك، يجب على المسلمين أن يدركوا أن الفطرة الإسلامية تدعو إلى مساعدة من يحتاجون بطريقة صحيحة، من خلال المؤسسات الخيرية أو عبر توزيع التبرعات بشكل منظم، وليس عن طريق تسليم الأموال مباشرة للأشخاص الذين قد يستغلون الشهر الكريم لزيادة تسولهم.
ففي الإسلام، تُشدد على أهمية العمل والسعي لتحقيق الرزق. في الحديث الشريف، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “اليد العليا خير من اليد السفلى”. ويعني ذلك أن المسلم يجب أن يسعى للاعتماد على نفسه والعمل بجد، بدلاً من اللجوء إلى التسول. و من المهم أيضاً أن يحافظ المسلم على كرامته وألا يذل نفسه، حيث قال صلى الله عليه وسلم: “المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف”.
ختاما، اقول بأن التسول ليس مجرد ظاهرة اقتصادية، بل هو مرض اجتماعي يتطلب وقفة جادة من المجتمع بكافة أطيافه. فبمجرد القضاء على هذه الظاهرة، سوف يتمكن المجتمع من بناء أفراده وبناء طموحاتهم، وتجنب قتل هممهم وأحلامهم. ولتحقيق هذا الهدف، يجب أن تتضافر الجهود الحكومية والمجتمعية لتوفير البدائل الحقيقية للتسول من خلال توفير فرص عمل، وزيادة التوعية، وتعزيز القيم التي تدعو إلى العمل الجاد والاعتماد على النفس.

0