المقالات

الفرق بين الوالدين والأبوين في القرآن الكريم: دلالات لغوية وبلاغية عميقة

تعد اللغة العربية بحراً زاخراً من المعاني والدلالات وتجلت روائعها في القرآن الكريم حيث جاءت الألفاظ بدقة متناهية متجاوزة حدود الترادف التقليدي. ومن بين المصطلحات التي تتطلب تأملًا عميقاً لمعرفة الفروق الدقيقة بينها: “الوالدان” و”الأبوان”. فكلا المصطلحين يشير إلى الأبوين إلا أن كل منهما يحمل دلالات خاصة في السياق القرآني مما يعكس الحكمة الإلهية في اختيار الألفاظ.

*أولاً: “الوالدان” في القرآن الكريم*

كلمة “الوالدان” مشتقة من الجذر (و-ل-د)، وهو مرتبط بالولادة والإنجاب المباشر. وعليه فإن “الوالدان” تعني الأب والأم اللذين أنجبا الإنسان.

يستخدم لفظ “الوالدين” في مواضع ترتبط بالرعاية والرحمة والبر حيث يركز السياق القرآني على العلاقة البيولوجية التي تستلزم الإحسان والعناية وأبرز الأمثلة:
– بر الوالدين والإحسان إليهما قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُواْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰناً﴾ هنا اقترن الإحسان بالوالدين لأنهما سبب الوجود الجسدي ويستحقان البر لرعايتهما للأبناء.
– الدعاء لهما قال تعالى:﴿وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ جاءت كلمة “الوالدين” لأن الحديث عن التنشئة والتربية وهي وظيفة الأبوين الحقيقيين.
– ضعف الأم ورعايتها للطفل قال تعالى:﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ﴾ هنا يتم التأكيد على الجانب العاطفي والتضحيات التي تقدمها الأم خلال الحمل والولادة.

إذن “الوالدان” في القرآن تشير إلى العلاقة البيولوجية المباشرة التي تستوجب البر والرحمة وغالباً ما يذكران في سياق الأحكام الأخلاقية والتربوية التي تتعلق بالواجبات تجاه الأب والأم.

ثانياً: “الأبوان” في القرآن الكريم.

كلمة “الأبوان” مشتقة من “أب” وهو مصطلح يشمل ليس فقط الأب المباشر بل قد يمتد ليشمل الأجداد أو حتى المربين الذين قاموا بدور الأبوة.

يظهر لفظ “الأبوان” في سياقات تتعلق بالميراث والتكوين الأسري الأوسع حيث لا يقتصر المعنى على الأبوين المباشرين بل قد يشمل الأجداد أو حتى الأبوين بالتبني أو الكفالة وأبرز الأمثلة:
– الميراث وتوزيع الأموال قال تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ﴾ ففي هذه الآية أستخدم القرآن لفظ “أبواه” للدلالة على الأب والأم معاً في سياق توزيع الميراث.
– الإشارة إلى آدم وحواء قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِن بَنِيٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مِيثَٰقَهُمۡ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا﴾ هنا لم يستخدم “الأبوان” بل “الوالدان” لأن الأمر يتعلق بالإحسان إلى الأبوين البيولوجيين وليس النسب العام.
– في قصة يوسف عليه السلام قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗا﴾ هنا استخدم لفظ “أبويه” بالرغم من أن والدته قد توفيت على الأرجح مما يدل على أن المصطلح قد يشمل زوجة الأب أو من قام مقام الأم.

“الأبوان” في القرآن تحمل دلالة أوسع حيث يمكن أن تشمل الأجداد أو حتى الأبوين بالتربية ولذلك تظهر في سياقات الميراث أو عند الحديث عن النسب الواسع.

دقة الوحي وعظمة اللغة

الفرق بين “الوالدين” و”الأبوين” ليس فرقاً لفظياً عابراً بل هو صنعة لغوية ربانية تنم عن دقة الوحي وبلاغة البيان.
• “الوالدان” يخص العلاقة الجسدية والحنان الأبوي ولذلك اقترن بالبر والدعاء.
• “الأبوان” يحمل اتساعاً في المعنى ليشمل الجذور الأبعد والنسب الأوسع فنجده في المواريث والمواقف المجتمعية.

وهكذا تتجلى في كل حرف من كتاب الله معجزة صامتة تقول للقلب قبل العقل:
تدبر .. فإن خلف كل لفظ نور.

• عضو هيئة تدريس – جامعة المؤسس

أ.د. عصام بن إبراهيم أزهر

رئيس وحدة الكائنات المعدية مركز الملك فهد للبحوث الطبية جامعة الملك عبد العزيز

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. ربما يحتاج الطرح هنا جهد أكثر دكتورنا. فالموضوع (دلالات الكلمات في القرآن كبير) ننتظر منكم تبحر وتسع أكثر شمولية ووضوح وأنتم قادرون

  2. أعجبني هذا الرأي وراق لى جزاك الله خير ويجب ان يصل لكبر عدد من المتابعين كى يحصل له ثمر نستفيد منه مستقبلاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى