المقالات

تمرد بنات شارع الأعشى وشقيقاتهن (١-٢):

همس الحقيقة

الحياة مجموعة فرص، إمّا أن تحسن استثمارها أو تضيع منك، وتقلبات تقودك إلى تحديات لا تدري ما ستسفر عنه من مكاسب وخسائر. قد تقحمك في معارك طاحنة تواجهك، وإن لم تكن مستعداً لمواجهة أجوائها الساخنة ونيرانها الملتهبة، ستجد أنها فرضت عليك ظروفاً قاهرة لتخوض غمارها، فتغدو واقعاً تتأقلم معه، ضمن جزء أساسي ومهم من تكوين حياتك المرتبطة بماضٍ يحتفظ بذكرياته الجميلة والتعيسة معاً، وحاضر ينعش فيك بين حين وآخر روح المغامرة، وأنت تتأمل أحلاماً غير متوقع تحققها، ومطبات حفرٍ هاويةٍ نجوت من السقوط فيها، ومستقبل تترقبه بمشاعر مزدوجة تسكنها السعادة، وأحياناً يراودك الخوف من حافة النهاية، فلا تعلم إن كنت قريباً أو بعيداً عن الوصول إليها، تكاد بصعوبة بالغة أن ترى شيئاً من خطوطها الغامضة جداً، المخفية والمخيفة في ستار الليل.

منذ زمن بعيد، هجرت العمل في الصحافة الفنية ناقداً ومشرفاً، وكنت أتوقع أن حالة الفراق بيني وبين الفن وأهله لن تطول، وأنني سأشعر باشتياق كبير لمحيطه بكل ألوانه وأشكاله، إلا أنني عندما أتذكر تلك المرحلة العصيبة والحقبة الزمنية المنهكة للدماغ والعواطف في زمن كان يوصف بـ”عصر الصحوة”، ولسان ناصح يطاردني قائلاً: “الله يهديك، مالك ومال هذا المجال؟ اترك عنك الفن ووسطه العفن”، أشعر بعد لحظات الفراق بارتياح يشبه ارتياح زوج طلق زوجته “المتمردة” بالثلاثة ولا يفكر في الرجوع إليها. هكذا كانت أحاسيسي بعدما انتقلت إلى عالم الرياضة وانقطعت علاقتي بالفن وأهله وصحافة تهتم به.

لا أنكر أنني بعد هذا القرار بقيت متابعاً للفن السابع، والشعر، وزوّاره من ملحنين ومطربين، وأبو الفنون المسرح، والدراما التلفزيونية، وتحديداً في شهر رمضان، ولكن ليس بحس الصحفي الناقد، وإنما بشغف مردّه ارتباط بمرحلة الطفولة وهوايات كنت أمارسها في المدرسة والمركز الصيفي بالطائف، إضافة إلى رغبة جامحة في تغيير نمط الحياة، والاستمتاع بساعة أو أكثر من وقتي تبعدني عن الرياضة ومسؤوليات مهنة المتاعب.

كان لا بد لي من هذه المقدمة كمدخل لكتابة انطباعاتي الشخصية عن مسلسل “شارع الأعشى”وشقيقاتهن من المسلسلات الدرامية التي تُعرض حالياً في شهر رمضان المبارك، وهي “ليالي الشميسي” و”العمة نوير”. حيث استوقفتني هذه الأعمال الثلاثة لمتابعتها، أحياناً بعين المعجب، ومرات بعين “الناقد”، على أن العين الأولى كانت هي الأكثر حضوراً في تعاملي مع هذه المسلسلات، من منطلق الشغف بزيادة المعرفة حول حقبة زمنية لا تخص المعالجة الدرامية لقصص من وحي الخيال، وإنما الزمن الذي عشنا فيه كمجتمع سعودي قبل نصف قرن تقريباً، بكل ما فيه من مفارقات الفقر والجهل وثقافة مستترة غزت القلوب قبل العقول، مقارنة بما يعيشه مجتمعنا الحالي من متغيرات طغت عليها النظرة المادية، والتي ظهرت من خلال قصة مسلسل “العمة نوير” وطمع وجشع إخوتها وزوجاتهم.

في خضم هذه المتابعة، استرجعت ذاكرتي الفترة الزمنية للصحافة الفنية ومقالات نقدية تحاكي افتقار الأعمال الدرامية إلى المؤلف وإلى كاتب السيناريو، رغم وفرة لا بأس بها من الأعمال الدرامية التي كانت تُقدَّم كوميدياً وتراجيدياً، مسرحياً وإذاعياً وتلفزيونياً… وللحديث بقية غداً بإذن الله، بعين تحاكي ماضينا وحاضرنا بكل ما فيهما من تقلبات وتحديات.

عدنان جستنية

كاتب وناقد صحافي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى