حين تموت القيم لا تسمع أصوات النبلاء ولا ترى خطى الشرفاء ويغدو البشر كالأشباح يعيشون بلا روح ويتحركون بلا ضمير. فالقيم ليست كلمات تلقى في الخطب ولا شعارات ترفع في المناسبات بل هي نبض الحياة وهي الفارق بين الإنسان والكائنات الأخرى.
موت القيم لا يحدث فجأة بل هو نزيف بطيء يبدأ عندما نصمت عن الظلم ونبرر الكذب ونتغاضى عن الخيانة ونعلي من شأن المصلحة فوق المبادئ. حينها لا يعود الصادق محبوباً ولا يحترم الأمين بل يصبح صاحب المبدأ غريباً في وطنه ينظر إليه ككائن من زمن أنقرض.
في عالم تموت فيه القيم يصبح النجاح مرهوناً بالمراوغة وتقدر الأرقام أكثر من الأرواح ويقاس الإنسان بما يملك لا بما يقدم. تتغير المعايير فيستبدل الإيثار بالأنانية والتسامح بالانتقام والرحمة بالقسوة. في مثل هذا العالم تنهار المجتمعات من الداخل حتى وإن بدت ناطحات السحاب شامخة.
لكن هل تبعث القيم من جديد؟
نعم فالقيم لا تموت تماماً بل تنام في القلوب المرهقة وتحتاج إلى من يوقظها. تحتاج إلى معلم يربي وأب يحتذي وإعلام لا يضل ومجتمع يكرم أصحاب المبادئ لا يتجاهلهم. فالأخلاق مثل الشموع يكفي شعلة صغيرة لتنير عتمة كاملة.
في نهاية المطاف ليست الحضارات بما تبنيه من جدران بل بما تقيمه من مبادئ. وإذا ماتت القيم فكل ما يبقى هو أنقاض من بشر فقدوا إنسانيتهم. لذا يجدر بنا أن نعلي من شأن القيم والمبادىء بالكلمة الهادفة والموقف النبيل والسلوك الذي يكون قدوة لغيرنا.
فلنكن أولئك الذين يحيون القيم لا من يشيعونها ولنحمل نور الأخلاق في زمن الظلام فرب ومضة ضمير تغير مجرى أمة.
• عضو هيئة تدريس – جامعة المؤسس