كتب فيلسوف العلم والعقلانية النقدية كارل بوبر عام ١٩٤٥م – في كتابه المجتمع المفتوح وأعداؤه – عبارة خالدة نصها ” قد أكون مخطئًا وقد تكون مصيبًا وبجهدنا المشترك قد نقترب من الحقيقة ! “
هذه العبارة المتسامحة مع الذات والآخر تحمل دلالة أخلاقية سامية يمكن الرجوع اليها دومًا للإطمئنان لمقاصد المعرفة الكبرى وغاياتها العظمى وهي البحث عن الحقيقة أو الاقتراب منها قدر المتاح والممكن !
ولأن الجروح النرجسية وندوب ال ” ego ” متعددة في عباءات مثقفي العرب فإن المعادلة تصبح صعبة جدًا : أيهما يجب التضحية به على حساب الآخر الذات أم الحقيقة ؟ فحينما نجيب بمثالية كعادتنا أن جل مثقفينا يقدمون الحقيقة على الذات فإننا نقع مباشرة أمام مشاهدات صعبة وتساؤلات محرجة على شاكلة : لماذا يختصمون إذا وتعلو أصواتهم ؟ لماذا يتناولون الشخوص وينسون التشخيص ؟ لماذا يهمزون ويلمزون ؟ لماذا يقتنصون الفرصة لنهش عقول ونفوس بعضهم البعض ؟ لماذا يحيدون ويتجاهلون ويقصون ويسفهون ؟ لماذا كل هذا ؟ هل كل هذه الممارسات أدوات مشروعة في رحلة البحث عن الحقيقة ؟
حسنًا ! ربما يقول قائل: إنها الطريقة الشائعة في الثقافة العربية لإثبات الحقيقة ! أو لسنا نؤمن بأن لكل ثقافة طريقتها في المأكل والمشرب والاحتفال والخصومة والجدل والانتقام وماشابه ؟ ومع مشروعية هذا التساؤل فلسفيًا إلا أنه يسقط فورًا تحت مطرقة المنطق ويوغل في مغالطة تسمى False Dichotomy أو( المأزق الثنائي الزائف) والتي تعني أن الحقية تتموضع بين خيارين فقط فلو قلت لأحدهم: إذا لم تتفق معي فإنك لاتفهم الفلسفة فأنت تضعه ظلمًا وعدوانًا أمام حالتين: إما الاقرار بصحة قولك الذي لايستقيم لديه أو الاتصاف بالجهل الذي لايقبل أن يوصف به ! وحينما يتخذ طرفي النقاش ذات الأسلوب فإنه لامكان للثقافة ولا حديث عن طبيعة الجغرافيا والعادات والتقاليد وتاريخ المثقف بقدر ماهي الحاجة للانتصار والسيطرة والغلبة والتي تمثل الحد الأكثر همجية في حياة الإنسان حينما يكون الفوز غاية في ذاته بصرف النظر عن بشاعته وحقارته !
حسنًا سقط كثير من مثقفي العرب كثيرًا في بئر المغالطة المنطقية ولم يملكوا رباطة الجأش للتحكم في انفعالاتهم ولا أخلاق العلماء ولذلك تعالت الأصوات وتم تجييش عدد من الأتباع المحسوبين على الثقافة لينافحوا عن موقف لاينشد الحقيقة بقدر مايروم النصر الزائف وسحق الخصوم !
لعل الكثير يتساءل الآن : إلى متى يمكن أن يستمر هذا الحال المزري في واقع الثقافة العربية المكتوبة والمشاهدة ؟ هذا الأمر لايمكن الجزم به لأنه في واقع الأمر حالة متداخلة ومتشابكة من العوامل التي مازلنا نكررها ونعيدها أمام كل نكسة فكرية عربية بحيث أصبح تكرار عوامل على شاكلة : التعليم والتربية والعودة لأخلاق الدين الكريمة والنصح والإرشاد والقراءة ليس أكثر من وصفة عامة وعائمة لاتعالج عقل الإنسان ولاجسده وروحه وكينونته وإدراكه بقدر ماتقدم ميدان كبير ومفتوح يزيد من تعقيد المسألة لاسيما وأن أدوية مثل : التعليم ، التربية ، التدين ، النصح ، القراءة مازالت هي الأخرى تعاني من اختلافات شنيعة بين معاشر العرب لايرجى شفاؤها في المستقبل المنظور !
لكنني أرى بعين من التفاؤل أن العودة لفلسفة الأخلاق يمثل فكرة واعدة في سبيل التغلب على عللنا الثقافية المتكلسة ! فإعمال عقولنا أخلاقيًا يضمن عنصرين مهمين : العقل والأخلاق! ولنا أن نتخيل كم سيكون العقل جميلًا حينما يكون أخلاقيًا !
تأملوا العقل الأخلاقي لدى الإمام محمد بن إدريس ( الشافعي) حينما قال: ” ماجادلت أحدًا إلا وتمتيت أن يظهر الله الحق على لسانه ” ! يالها من عبارة! ويالها من وثيقة شرف أخلاقية ! فالمقصد هو الحق لا الذات، والغاية هي النفع لا الدفع بالخصوم إلى الهاوية ! وتأملوا مقولة رينيه ديكارت في الفلسفة الأولى : ” كان عليّ مرة واحدة في حياتي أن أهدم كل شيء هدمًا تامًا، وأن أبدأ من جديد من الأسس الأولى”
هذه هي نصيحة الفلسفة الأخلاقية الخالدة : الحق ولاشيء غير الحق والتي أزعم أنها ستكون طوق نجاة للعقول والنفوس التي لاتؤمن سوى بالانتصار ، ولاتبتهج سوى بتسفيه الآخرين ، ولاتهنأ سوى بتصدر المشاهد ولو بغير علم !

