المقالات

حين يتراقص الحقد على وقع الصواريخ

ليست المصيبة أن تمتد يد العدوان إلى أرضٍ آمنة، فذلك شأن المعتدين، ولكن المصيبة الأكبر أن تجد للعدوان قلوبًا تصفق له، وصدورًا تختزن من الحقد ما يجعلها تفرح حين تُستهدف بلاد الحرمين، وتبتهج حين تتجه الصواريخ نحو مطاراتها، وفيها من يقصد بيت الله الحرام معتمرًا، ومسجد رسوله الكريم زائرًا. أيُّ حقدٍ هذا الذي يطفئ في النفوس نور الأخوة، ويعمي الأبصار عن حرمة المقدسات، ويجعل شماتة الإنسان بأخيه غنيمة، وسلامة الأبرياء خسارة؟!

إن الخلاف السياسي، مهما اشتد، لا يبرر الفرح بترويع الآمنين، ولا يمحو حق الجوار، ولا يسقط واجب الأخوة، ولا يحوّل الاعتداء إلى بطولة، والخيانة إلى موقف، والتنكر للجميل إلى مبدأ. ومن المؤلم أن تنسى بعض النفوس ما امتدت إليها من أيدٍ بالعون، وما وجدته من أبوابٍ مفتوحة حين ضاقت بها السبل، ثم لا تجد عند الشدة إلا الشماتة، ولا عند الخطر إلا التربص، ولا عند استهداف الأبرياء إلا التصفيق.

ولم تكن المملكة العربية السعودية يومًا دولةً تنكفئ على ذاتها أو تتخلى عن قضايا أمتها؛ فقد جعلت نصرة قضايا المسلمين والعرب نهجًا ثابتًا في سياستها، ووقفت إلى جانب الشعوب المنكوبة، وسعت إلى إغاثة المتضررين، ودعمت حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وواصلت جهودها الدبلوماسية في المحافل الدولية للدفاع عن الحقوق المشروعة ورفض الاحتلال والعدوان. كما احتضنت مبادرات المصالحة، وسعت إلى جمع الكلمة، وحقن الدماء، وتسوية النزاعات بالحوار، وقدمت المساعدات الإنسانية والتنموية إلى كثير من الدول والشعوب الإسلامية، انطلاقًا من مسؤوليتها الدينية والإنسانية، وإيمانًا بأن قوة الأمة في تضامنها، وأن نصرة المظلوم لا تكون بالشعارات وحدها، بل بالمواقف والعمل والبذل.

لكنهم ينسون أن للمملكة العربية السعودية تاريخًا من الثبات، وموقفًا من الشدائد، ومكانةً لا تصنعها هتافات الشامتين ولا تهدمها أحقاد المتربصين؛ وأن هذه الأرض التي تحتضن الحرمين الشريفين أكبر من أن تنال منها صواريخ العدوان، وأرسخ من أن تهزها حملات التحريض، وأعز بإيمانها ووحدتها من أن تنحني أمام شماتة الحاقدين.

فالمملكة التي مدت يدها لنصرة قضايا المسلمين، وفتحت أبوابها للنجدة والإغاثة، وسعت إلى إطفاء نيران الفتن، لا تنتظر من مواقفها جزاءً ولا شكرًا، لكنها تكشف في الوقت نفسه معدن الرجال، وتفضح زيف الشعارات، وتُظهر الفرق بين من يحمل همَّ الأمة، ومن يتخذ آلامها مادةً للشماتة والتحريض.
اذا أنت اكرمت الكريم ملكته
وان أنت أكرمت الكريم تمرداً

فما أشدَّ الفرق بين من يفرح بسلامة الإنسان، ومن يفرح باستهدافه، وبين من يمد يده لإطفاء نيران الأزمات، ومن ينتظر اشتعالها ليقرع طبول الشماتة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى