آراء متعددةتحقيقات وتقارير

الراشد بين واقعية التحليل وحساسية التوقيت: هل أخطأ في الرأي أم في تأطير العبارة؟

حلقة «سقراط» تفتح نقاشًا عن لغة التحليل في الحرب ومكانة المغرد الوطني

لم يقتصر الجدل حول لقاء الإعلامي والكاتب عبدالرحمن الراشد في بودكاست «سقراط» على اختلاف عابر حول رأي سياسي أو إعلامي، بل اتسع ليطرح أسئلة عن حدود التحليل العلني في زمن الحرب، ومكانة الإعلام الشعبي، ومسؤولية العبارة عندما يكون الجمهور في حالة تعبئة وطنية لمواجهة التهديدات.

الراشد، صاحب التجربة الطويلة في الصحافة العربية، تحدث عن الحوثيين ومنصات التواصل وأداء قناة الجزيرة. لكن ثلاث عبارات تحديدًا خرجت من الحوار إلى نقاش واسع: وصفه قدرات الحوثيين القتالية، وحديثه عن المغرد السعودي، وإشادته القوية بتغير أداء الجزيرة.

بين تقدير الخطر ولغة الإشادة

في حديثه عن الحوثيين، حذر الراشد من الاستهانة بقدراتهم، ووصفهم بأنهم جماعة مقاتلة قوية وأصحاب بأس، وربط جانبًا من صلابتهم القتالية بالعقيدة والاستعداد للتضحية وخبرة القتال في الجبال.

لا خلاف على أن الاستهانة بالخصم خطأ. ففهم التهديد جزء من الاستعداد له، وإنكار قدرة الجماعة على الإيذاء لا يصنع وعيًا ولا يحمي مجتمعًا. لكن الاعتراض لم يكن على هذه القاعدة، بل على اللغة التي حملتها.

استخدام عبارات متلاحقة عن القوة والخطورة والعقيدة والتضحية، مع تشبيههم بمقاتلي أفغانستان، منح الحديث نبرة أكبر من مجرد تقدير عسكري. في وقت تستهدف فيه الميليشيا منشآت المملكة وتهدد المدنيين، رأى منتقدون أن هذا التوصيف يمنح الخصم قيمة معنوية لا يحتاج إليها في حرب نفسية وإعلامية مفتوحة.

اللغة الأكثر اتزانًا كانت يمكن أن تؤكد أن الحوثي جماعة مسلحة تملك أدوات تهديد وخبرة في حرب العصابات، لكنها تفتقر إلى الشرعية الوطنية والمشروع الجامع، وترتبط بأجندة إيرانية لا بمستقبل اليمن وأمن المنطقة.

«خرجوا على السيطرة»

وفي حديثه عن منصات التواصل، نقل الراشد عبارة قال إنها أعجبته حول أن بعض العاملين في السوشيال ميديا «خرجوا على السيطرة»، ثم تحدث عن تعدد الأصوات والاتجاهات التي قد تربك المواطن السعودي، مؤكدًا أن الإعلام الرسمي يؤدي دوره ويتطور.

هنا شعر كثير من المغردين أن الحديث لا يفرق بما يكفي بين الحسابات المجهولة والحملات المنظمة من جهة، والمغرد الوطني الذي يدافع عن وطنه بصدق من جهة أخرى. فالمغردون لا يرون أنفسهم مجرد جمهور يتلقى الرسالة، بل قوة تطوعية تشارك في كشف الدعاية المعادية، وبث الطمأنينة، وتعزيز الثقة بالجبهة الداخلية.

ورأى خالد حبش أن الجدل يكشف تغيرًا عميقًا في العلاقة بين الإعلام التقليدي والجمهور؛ فالمواطن اليوم لا ينتظر الإذن للدخول إلى المجال العام، بل يملك منصته وقدرته على التأثير. واعتبر أن رفض ما يراه الجمهور وصاية أو استعلاءً على الإعلام الشعبي هو جزء من التحول الجديد في صناعة الرأي.

لكن قوة الإعلام الشعبي لا تعفيه من واجب التحقق. فالحساب الوطني الصادق قد يتلقى رواية مضللة أو يضخم معلومة غير مؤكدة من دون قصد، وهو ما قد يمنح الحملات المنظمة جمهورًا لا تستحقه.

إشادة بالجزيرة في توقيت حساس

أما التصريح الثالث، فجاء في حديثه عن قناة الجزيرة، حين وصف أداءها بأنه «ممتاز»، وتحدث عن تغير «خرافي» فيها، وقدرتها على إقناع جماهير في مناطق سماها «مناطق الرفض والامتناع»، وقال إنها «شالت البيرق» وحققت حضورًا قويًا في هذه المساحات.

لم يقل الراشد عبارة مباشرة تفيد بأن الجزيرة أفضل من العربية على إطلاقها، لكنه قدّم إشادة واسعة وواضحة بأدائها. وهذا ما جعلها تُقرأ عند شريحة من المتابعين على أنها تفضيل لقناة ارتبطت في ذاكرة سعودية وخليجية بسجل تحريري وسياسي محل اعتراض.

التقييم المهني للإعلام حق مشروع، بل مطلوب. غير أن التقييم يحتاج إلى تحديد معيار واضح: هل الحديث عن الانتشار؟ أم إدارة الحوارات؟ أم الوصول إلى جماهير بعينها؟ أم تغطية ملف محدد؟ فالإشادة غير المحددة، في ظرف إقليمي متوتر، تُحمّل أكثر مما يحتمله مقصدها المهني.

رد الراشد: المغرد الوطني حصن منيع

بعد اتساع الجدل، نفى الراشد ما فُهم من أنه «مع الحوثي» أو «ضد المغرد السعودي» أو «يناصر الجزيرة». وأكد أن دفاع المغردين الوطنيين عن المملكة طاقة وطنية نبيلة وحصن في مواجهة الحملات الإعلامية المعادية.

وحذر من حسابات تنتحل أسماء وشعارات سعودية، ومن روايات كاذبة تسعى إلى إثارة الحساسيات وخلق معارك جانبية، داعيًا إلى التثبت قبل إعادة النشر ورصد الحسابات المنتحلة.

هذا التعقيب وضع الجدل في مساره الأصح: ليس خلافًا بين إعلامي ومغردين وطنيين، بل نقاش حول اللغة الأنسب لحماية الوعي العام من جهتين؛ التهوين غير المسؤول من التهديد، والتضخيم أو الترويج غير المقصود لروايات الخصم.

آراء متباينة

رأى علي عبدالخالق القرني أن منتقدي الراشد لا يجوز تصويرهم بإعتبارهم سطحيين أو عاجزين عن فهم التحليل، معتبرًا أن بعض العبارات لم تكن مراعية للسياق العام وحساسية المرحلة.

وتساءل محمد البكيري عن معيار المساءلة المهنية، معتبرًا أن الحوار دفع جانبًا من الاهتمام الوطني إلى سجال داخلي حول المغرد السعودي، بدل أن يبقى الصف متجهًا إلى مواجهة الحملات المعادية.

في المقابل، دافع سليمان العقيلي عن مكانة الراشد وتجربته، ورأى أن مسيرته الإعلامية وتحليلاته تستحق التقدير، وأن النقد يجب أن يبقى بعيدًا عن التجريح والتسفيه. كما اعتبر عبدالرحمن الحميضي أن قضايا قوة الخصم وأداء الإعلام المنافس وخطر الانقسام الرقمي تستحق نقاشًا جادًا، لا رفضًا تلقائيًا.

رأي مكة

المشكلة ليست في الواقعية السياسية، ولا في حق الإعلامي في طرح رأي مخالف. المشكلة تبدأ عندما لا تراعي العبارة أثرها في التوقيت الحساس.

ليس مطلوبًا من المحلل أن يخفي حقائق الخطر عن الجمهور، لكن عليه أن يشرحها بلغة تحذر ولا تمجّد، وتدعو إلى التحقق ولا تُشعر الوطنيين بأنهم عبء، وتقيّم الإعلام المنافس بمعايير دقيقة لا بعبارات مفتوحة.

الإعلامي يملك الخبرة، لكنه لا يملك احتكار الحقيقة. والمغرد الوطني يملك الحماس والقدرة على التأثير، لكنه يحتاج دائمًا إلى التثبت. وبين الخبرة والحماس، تبقى مصلحة الوطن هي معيار الكلمة.

ويبقى السؤال:
كيف يجمع الخطاب الإعلامي بين واقعية فهم الخصم وحماية الروح المعنوية للجبهة الداخلية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى