كتاب الرأي

الباحة.. تنمية تشبه المكان وتحفظ الإنسان

للباحة مكانة خاصة في وجداني؛ فهي أرض المولد وموطن الذكريات الأولى. وكلما تابعت ما تشهده من مشروعات وتحولات، لم أنظر إليها بعين المتابع فحسب، بل بعين ابن المنطقة الذي يسرّه أن يراها تتقدم بخطى واثقة، دون أن تفقد روحها التي عرفها وأحبها. فالتنمية الحقيقية ليست ما يغير شكل المكان فقط، بل ما يعزز ارتباط الإنسان به ويزيد ثقته بمستقبله.

ولأن الباحة تمتلك طبيعة استثنائية وهوية ثقافية راسخة، فإن الحديث عنها لا ينبغي أن يقتصر على جمال جبالها وغاباتها، بل يمتد إلى ما تشهده من حراك تنموي وسياحي واستثماري يعكس اهتمام القيادة الرشيدة، ومتابعة صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور حسام بن سعود بن عبدالعزيز أمير منطقة الباحة، وسمو نائبه، في إطار رؤية تجعل الإنسان محور التنمية وغايتها.

وفي تقديري، تمثل الاستدامة جوهر هذا التحول. فهي ليست مجرد تشجير أو تحسين للمشهد الحضري، بل فلسفة تنموية تقوم على تحقيق التوازن بين متطلبات الحاضر وحقوق الأجيال القادمة. والباحة بما تملكه من مقومات بيئية وثقافية فريدة، تستحق نموذجًا تنمويًا يستلهم خصوصيتها، ويعزز حضورها، ويحافظ على شخصيتها العمرانية والطبيعية. فنجاح التنمية لا يقاس بحجم التغيير وحده، بل بقدرتها على صون ما يمنح المكان فرادته ويجعله أكثر انسجامًا مع حياة الناس وذاكرتهم.

ومن الشواهد المهمة على هذا التوجه حصول أمانة منطقة الباحة على المركز الأول خليجيًا في جائزة مجلس التعاون للعمل البلدي عن مبادرة “الباحة الخضراء”. فهذا الإنجاز يعكس رؤية تحولت إلى برامج ومشروعات ملموسة أسهمت في تعزيز التشجير المستدام وتحسين المشهد الحضري والارتقاء بالخدمات والمرافق العامة. كما يؤكد أن العناية بالمكان ليست مشروعًا مؤقتًا، وإنما نهج عمل مستمر يسعى إلى تحسين جودة الحياة عامًا بعد عام.

ويكتسب البعد الإنساني للتنمية أهمية خاصة مع حصول مدينة الباحة على اعتماد دولي بوصفها مدينة صديقة للأشخاص ذوي الإعاقة الحركية. فحين تصبح المرافق والمسارات والخدمات أكثر سهولة في الوصول والاستخدام، تتحول التنمية إلى ممارسة عملية للعدالة والشمول. والمدن الناجحة ليست تلك التي تتسع عمرانًا فقط، بل التي تتسع لجميع سكانها وزوارها، وتمنحهم فرصًا متكافئة للحركة والمشاركة والاستفادة من الخدمات بكرامة واستقلالية.

أما في القطاع السياحي، فإن المشروعات النوعية، مثل منتجع قمرة الجبلي ومنتجع رغدان السياحي، تمثل فرصة واعدة لتعزيز مكانة الباحة على خريطة السياحة الوطنية. غير أن قيمة هذه المشروعات لا تقتصر على ما تضيفه من مرافق جديدة، بل فيما تصنعه من تجربة متكاملة تعكس هوية المنطقة وتفردها. فالزائر ينبغي أن يشعر بأنه في الباحة بكل ما تحمله من خصوصية ثقافية وطبيعية، لا في وجهة سياحية يمكن أن تتكرر في أي مكان آخر.

ومن هنا تبرز أهمية تمكين أبناء المنطقة وبناتها من الاستفادة المباشرة من الفرص التي تتيحها التنمية. فالمشروعات الأكثر نجاحًا هي تلك التي تفتح المجال للمنشآت الصغيرة، والحرفيين، والمنتجات المحلية، والمطاعم، والخدمات السياحية المساندة. وعندما يصبح المجتمع شريكًا في صناعة القيمة، تتحول التنمية إلى تجربة جماعية يشارك الجميع في نجاحها ويستفيدون من ثمارها.

وفي الوقت ذاته، يجب أن يظل الحفاظ على الهوية العمرانية والثقافية حاضرًا في كل مرحلة من مراحل التطوير. فالتحديث لا يعني التشابه، والتقدم لا يستلزم التخلي عن الخصوصية. على العكس، يمكن لعناصر التراث المحلي أن تكون مصدر تميز وجاذبية حين يعاد توظيفها بروح عصرية تجعل الماضي جزءًا من المستقبل، لا مجرد ذكرى نستحضرها بين حين وآخر.

ولأن الطموح كبير، فإن المحافظة على المنجز لا تقل أهمية عن تحقيقه. فالمرافق تحتاج إلى صيانة مستدامة، والمساحات الخضراء إلى إدارة فاعلة، والاستثمارات إلى متابعة تقيس أثرها الحقيقي على حياة السكان. ويبقى السؤال الأهم حاضرًا دائمًا المتمثل في ماذا أضافت هذه المشروعات للإنسان؟ وهل جعلت الحياة أكثر جودة والخدمات أكثر سهولة والفرص أكثر قربًا؟ فبهذه المعايير تقاس قيمة التنمية، وبهذه الرؤية يتحول الإنجاز من أرقام ومشروعات إلى أثر ملموس في حياة الناس.

وأنا أنظر إلى الباحة اليوم، لا أرى مجرد منطقة تتطور، بل أرى قصة مكان يحاول أن يوازن بين الأصالة والطموح. وأتمنى أن تستمر هذه المسيرة بما يجعلها وجهة يقصدها الزائر لجمالها، ويثق بها المستثمر لفرصها، ويتمسك بها أبناؤها لأنها تمنحهم حياة كريمة ومستقبلًا واعدًا. تلك هي التنمية التي تليق بالباحة: تنمية تحفظ الجبل والشجر والذاكرة، وتضع الإنسان في قلب الحاضر وآفاق المستقبل.

اللواء ركن م. د . خالد بن شويل الغامدي

زاوية «خلف الخطوط» • متخصص في شؤون الجماعات المسلحة والحرب بالوكالة والتخطيط الاستراتيجي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى