كتاب الرأي

الجامعات والنخب الفكرية…صناعة الوعي وحماية الوطن

لا تبنى الأوطان بما تشيده الأيدي من عمران، ولا بما تحققه الأقتصادات من أرقام فحسب؛ وإنما تُبنى، قبل ذلك وبعده، بالعقول التي تدرك قيمة الوطن، والضمائر التي تصون مكتسباته، والأجيال التي تؤمن بأن نهضته مسؤولية مشتركة لا تنتظر من يؤديها نيابة عنها.

من هنا تبرز أهمية الجامعات والنخب الفكرية في بناء الوعي الوطني لدى الشباب، بوصفها شريكين أساسيين في تشكيل الإنسان القادر على فهم وطنه، والإعتزاز به، والإسهام في تقدمه.

فالجامعة ليست قاعات للمحاضرات فقط؛ إنها فضاء لصناعة العقل، وتوسيع المدارك، وتنمية الحس النقدي، وتعميق الشعور بالمسؤولية، في رحابها يتعلم الطالب كيف يسأل ويتحقق، وكيف يميز بين الرأي والحقيقة، وبين الإختلاف الذي يثري المعرفة والخلاف الذي يمزق المجتمع.

وحين تنجح الجامعة في أداء رسالتها، فإنها لا تخرّج متخصصاً في الطب أو الهندسة أو الإدارة فقط، بل تخرّج مواطناً واعياً يعرف حقوقه وواجباته، ويحترم الأنظمة، ويقدر العمل، ويؤمن بأن العلم أداة للبناء وخدمة المجتمع.

إن ترسيخ الوعي الوطني يتطلب أن يكون الوطن حاضراً حياً، لا في الشعارات والمناسبات وحدها. ويتحقق ذلك بربط المناهج بقضايا المجتمع وتاريخه وتحدياته التنموية، وإتاحة الفرصة للطلاب للمشاركة في الأبحاث والمبادرات التطوعية والبرامج المجتمعية، وتشجيع الإبتكار وريادة اللأعمال، وتعريفهم بما تحقق من منجزات وما ينتظر من فرص وتحديات.

فالشاب الذي يشارك في معالجة مشكلة في بيئته، أو يسهم في مشروع يخدم مجتمعه، يكشف عملياً أن الإنتماء ليس كلمات تُقال، بل سلوك وعمل وإتقان.

أما النخب الفكرية والثقافية، من أكاديميين ومثقفين وكتّاب وإعلاميين ومبدعين، فتقع على عاتقها مسؤولية كبيرة في توجيه النقاش العام ، وتقديم القدوة الفكرية والأخلاقية، وفتح نوافذ الحوار أمام الأجيال الجديدة.

فالكلمة الواعىة قادرة على أن تشرح التحولات، وتصحح المفاهيم، وتواجه الشائعات، وتحصّن الشباب من خطاب الكراهية والتعصب والتضليل.

وليس المطلوب من هذه النخب أن تكرر خطاباً واحداً، بل أن تقدم معرفة رصينة، وتختلف بمسؤولية، وتحترم عقل الشباب، وتمنحهم مساحة للسؤال والنقاش والمبادرة.

من المهم أن يقوم التعاون بين الجامعات والنخب الفكرية على عمل مؤسسي مستمر: عبر الندوات والحوارات المفتوحة، والبرامج المشتركة، واللقاءات مع أصحاب الخبرة، والمشروعات البحثية التي تتناول قضايا الهوية والمواطنة والتنمية.

كما ينبغي توظيف المنصات الرقمية التي يتابعها الشباب، وتقديم محتوى جذاب وموثوق بلغتهم، دون تنازل عن العمق أو الدقة. فالوعي في عصر تدفق المعلومات لا يُبنى بالمنع وحده، بل بالتعليم، والثقة، والقدرة على التفكير والتحقق.

والوعي الوطني الحقيقي لا يعني إلغاء الإختلاف أو مطالبة الشباب بترديد العبارات ذاتها؛ بل يعني أن يختلفوا وهم متفقون على مصلحة الوطن، وأن ينقدوا بهدف الإصلاح، وأن يدركوا أن المحافظة على المكتسبات لا تتحقق بالتغني بها فقط، وإنما بحمايتها من الهدر والفساد والإهمال، والعمل على تطويرها.

كما أن حب الوطن لا يتعارض مع الانفتاح على العالم والإستفادة من تجارب الآخرين؛ بل إن المواطن الواثق بهويته هو الأقدر على التعلم والمنافسة والإضافة.

إن مسؤولية بناء الوعي الوطني لا تقع على الجامعات والنخب الفكرية وحدها؛ فهى مسؤولية تتكامل فيها أدوار الأسرة والمدرسة ومؤسسات الدولة والإعلام والمجتمع.

غير أن الجامعة بما تملكه من علم وخبرة وتأثير، والنخب بما تملكه من فكر وكلمة وقدرة على الإلهام في موقع متقدم من هذه المهمة.

وفي نهاية المطاف، فإن أعظم ما تقدمه الجامعات للوطن ليس عدد الشهادات التي تمنحها، بل نوعية الإنسان الذي تخرّجه؛ إنسان يعتز بوطنه دون تعصب، ويحافظ على مكتسباته بوعي، ويؤدي عمله بإخلاص، ويشارك بعلمه وفكره في نهضته.

فالأوطان لا ترتقي بالمباني وحدها، وإنما ترتقي بعقول أبنائها، وكلما أتسعت مساحة الوعي في نفوس الشباب، أزدادت قدرة الوطن على صناعة مستقبله بثقة وإقتدار.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى