يُروى أن معلماً طلب من تلاميذه كتابة موضوع تعبيري عن رحلة عائلية، وقال لهم: تخيل أنك ذهبت مع أسرتك في رحلة، فواجهتكم مجموعة من العراقيل، واكتب كيف تعاملتم معها وتجاوزتموها”. وفي اليوم التالي، فوجئ بأحد تلاميذه يكتب: “خرجت مع عائلتي للتنزه في الغابة المجاورة، وبينما كنا نستمتع بالطبيعة، هاجمتنا مجموعة من العراقيل، فأمسك والدي بعرقول وقتله، فهربت بقية العراقيل، وعدنا إلى منزلنا سالمين!”. قد نضحك من هذه الإجابة التي حوّلت العراقيل من عقبات وصعوبات إلى مخلوقات مفترسة، لكننا إذا تجاوزنا ظاهر الطرفة، سنجد أنفسنا أمام قضية فكرية وتربوية واجتماعية عميقة، تتعلق باختلاف مستويات الإدراك بين البشر، وكيف يمكن للكلمة الواحدة أن تقود إلى تصورات وأحكام وقرارات متباينة، وربما متناقضة تماماً.
فالمعلم كان يتحدث عن العقبات، بينما تخيل التلميذ كائنات حية ينبغي التخلص منها. والمفارقة أن التلميذ لم يكن عاجزاً عن التفكير، بل بنى قصة متكاملة وفق المعنى الذي استقر في ذهنه، واستطاع إيجاد حل للمشكلة كما فهمها، لا كما قصدها المعلم. وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: كم من عرقول وهمي نطارده في حياتنا، وكم من مشكلة نصنعها لأننا لم نفهم حقيقتها؟ إن الإنسان لا يرى الأشياء دائماً كما هي، وإنما يراها من خلال معرفته وخبراته وثقافته وقناعاته وتجاربه السابقة. ولذلك قد يقف شخصان أمام الموقف نفسه، فيراه أحدهما فرصة تستحق الاستثمار، بينما يراه الآخر تهديداً ينبغي تجنبه. فالحدث واحد، لكن الصور الذهنية مختلفة، ومن هنا تبدأ خلافات كثيرة نظن أنها اختلافات في المواقف، بينما هي في حقيقتها اختلافات في الفهم والإدراك.
ويحضرني هنا ما أورده الشيخ علي الطنطاوي -يرحمه الله- في مقاله “السعادة” عن الفيلسوف الألماني “كانت”، الذي كان ينزعج من صياح ديك جاره حتى ضاق به ذرعاً، فأرسل خادمه ليشتري الديك ويذبحه، ودعا صديقاً لمشاركته الغداء. وبينما كان يحدث صديقه عن الراحة التي وجدها بعد التخلص من الديك، دخل الخادم ليخبره بأن الجار رفض بيعه، وأنه اشترى ديكاً آخر من السوق! عندها انتبه الفيلسوف إلى أن ديك الجار ما زال يصيح، وأن الصوت الذي كان يزعجه لم يتوقف أصلاً. وتأمل الطنطاوي هذه المفارقة، فرأى أن الفيلسوف شقي بصياح الديك ثم شعر بالراحة مع استمرار الصياح نفسه؛ فالذي تغير لم يكن الواقع، وإنما نظرته إليه. وهنا تتجلى حقيقة تستحق التأمل: كم من ديك يزعجنا لأننا أقنعنا أنفسنا بأنه مصدر شقائنا، وكم من عائق تتضخم آثاره في حياتنا لأننا منحناه في عقولنا حجماً أكبر من حقيقته؟
واللافت أن القصتين، رغم اختلاف أحداثهما، تكشفان جانبين متكاملين من طبيعة الإدراك البشري؛ ففي الأولى تحولت العقبات إلى مخلوقات مفترسة بسبب سوء فهم المعنى، وفي الثانية اختفى الإزعاج من شعور الفيلسوف رغم استمرار مصدره، بسبب تغير اعتقاده.
إن اختلاف الإدراك حقيقة بشرية لا يمكن إلغاؤها، بل قد يكون مصدراً للتنوع والإبداع وتكامل الخبرات إذا أحسنّا التعامل معها، لكنه يتحول إلى مصدر للخطر عندما نفرض فهمنا على الآخرين، أو نتخذ من تصوراتنا المحدودة أساساً لأحكام وقرارات مصيرية. وفي النهاية، ربما كان ذلك التلميذ أكثر إبداعاً مما توقع معلمه، فقد قدم لنا، من حيث لا يدري، درساً عميقاً في طبيعة التفكير الإنساني، تماماً كما قدم لنا ديك الفيلسوف درساً آخر في أثر تصوراتنا على مشاعرنا. فكلاهما يذكرنا بأن العقل قد يصنع مشكلة من سوء فهم، وقد يتخلص من معاناة بمجرد تغير اعتقاد، دون أن يتغير الواقع نفسه. ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: كيف تخيل التلميذ العراقيل مخلوقات مفترسة؟ أو كيف ارتاح الفيلسوف من صياح ديك لم يتوقف؟ بل: كم مرة فعلنا نحن الشيء نفسه، فحوّلنا سوء الفهم إلى مشكلة، والافتراض إلى حقيقة، والتصور الخاطئ إلى قرار، ثم انشغلنا بمواجهة عراقيل صنعناها في عقولنا؟ فليست المشكلة دائماً في العراقيل التي تعترض طريقنا، بل في عقولنا حين تتعثر في فهمها، وقد نمضي حياتنا نحارب عراقيل لم تكن موجودة إلا في خيالنا!

