يتعامل الناس فيما بينهم بأسلوبين الأول قائم على المبادئ الثابتة، والأخر قائم على المصالح المتغيرة. وهذا الموضوع يتناول قضية تمس حياة الأفراد والعلاقات الاجتماعية والعمل والمؤسسات والسياسة الدولية، وتكشف جانبا مهما من طبيعة الانسان وكيفية اتخاذه قراراته في المواقف التي تتعارض فيها قناعاته مع منافعه. وهل يتصرف الانسان وفق المبادئ التي يؤمن بها، أم وفق المصالح التي يسعى إلى تحقيقها؟ وماذا يحدث عندما تتعارض المبادئ مع المصالح؟ والمبادئ هي القيم والمعايير الأخلاقية التي يسترشد بها الإنسان، مثل الصدق والأمانة والعدل والوفاء والرحمة واحترام الآخرين. أما المصالح فهي المنافع والمكاسب التي يسعى إلى تحقيقها، سواء كانت مادية أو معنوية أو اجتماعية أو مهنية أو سياسية. ولا يعني السعي الى المصالح بالضرورة التخلي عن المبادئ؛ فالمصلحة المشروعة جزء طبيعي من الحياة، وقد تتوافق مع القيم الأخلاقية وتخدمها. والقضية ليست في وجود المصالح، بل في الحدود الأخلاقية التي يلتزم بها الانسان وهو يسعى إلى تحقيق مصالحه. ويظهر أثر المصالح جليا في العلاقات السياسية القائمة بشكل دائم على المصالح الثابتة والمتغيرة، فيقولون ليس هناك عدوات دائمة ولا صداقات دائمة، فعدو اليوم قد يكو صديق الغد، وصديق اليوم قد يكون عدو الغد. ولا يستغني الافراد والمؤسسات والدول عن المبادئ والمصالح، لكن الإشكالية عندما تتحول المصلحة من غاية مشروعة إلى مبرر لتجاوز القيم، أو أن يصبح تحقيق المكاسب أهم من الوسائل المستخدمة للوصول إليها.
ومما يعزز ذلك أن المبادئ لا تمنع الإنسان من تحقيق مصالحه، وإنما تمنعه من تحويل مصالحه إلى مبرر للتخلي عن مبادئه. وعندما تتعارض المكاسب مع القيم، تبدأ اللحظة التي يختبر فيها معدن الإنسان، وتحدد فيها حقيقة ما يؤمن به، لا ما يكتفي بإعلانه. ويمكن التمييز بين أصحاب المصالح وأصحاب المبادئ بالاستدلال على طبيعة تعامل الإنسان من خلال مواقفه المتكررة، لا من خلال أقواله وحدها. وعندما تتعارض المصالح مع المبادئ، تظهر هنا حقيقة الاختبار الأخلاقي؛ فليس من الصعب أن يلتزم الإنسان بمبادئه عندما تكون متوافقة مع مصالحه، وإنما تكمن الصعوبة عندما يضطر إلى الاختيار بين مكسب سريع ومبدأ يؤمن به. وفي المقابل، قد يؤدي الالتزام بالمبادئ إلى خسارة فرصة عابرة، لكنه يحتفظ للإنسان احترامه لذاته وثقة الأخرين به. ومع ذلك يمكن الجمع بين المصالح والمبادئ، فليس من المطلوب أن يعيش الانسان بمعزل عن مصالحه، أو أن يضحي بكل احتياجاته من أجل الاخرين. فالمصلحة ضرورة مشروعة، والمبادئ هي الضوابط التي تحدد كيفية السعي إليها. بحيث يمكن تحقيق المصلحة دون ظلم للأخرين، فيمكن بناء العلاقات على المنفعة المتبادلة والثقة ليستفيد الطرفان من العلاقة، ما دامت قائمة على الصدق والاختيار العادل. وبذلك تصبح المبادئ إطارا أخلاقيا ينظم المصالح، بدلا من أن تكون المصالح مبررا للتخلي عن المبادئ. ولذلك ليست العبرة بأن تكون للإنسان مصالح، بل بأن يعرف كيف يحققها دون أن يتخلى عن مبادئه؛ فالمصالح تنظم شؤون الحياة، أما المبادئ فتحدد الحدود الأخلاقية التي ينبغي ألا تتجاوزها في سعينا إليها.
• عضو هيئة تدريس سابق بقسم الإعلام – جامعة أم القرى
مقيم في الولايات المتحدة الامريكية
