خلال الأيام الماضية أُصيبت زوجتي بوعكة صحية شديدة تم على إثرها نقلها الى مدينة الملك عبدالله الطبية الذي أحسن فيها الكادر الطبي والإداري استقبالها والعناية بها حتى إستقرت حالتها فجزاهم الله عنا خير الجزاء.
إلا أنها إستمرت تحت الملاحظة في العناية المركزة مدةً تجاوزت الأسبوعين وهنا أيقنت أنا وأسرتي وأقاربي وأقارب زوجتي وكذلك أصدقائي بأن الصحة تاجّ على رؤوس الأصحاء لا يعرفه الا المرضى وأقاربهم .
أيقنت أيضاً أنه عندما يدخل أحد أفراد الأسرة إلى المستشفى لا يدخل وحده بل تدخل معه مشاعر أسرته وأحلامها وطمأنينتها ويتغير إيقاع الحياة داخل المنزل وتفقد الأيام شيئاً من بهجتها وتصبح المكالمات الهاتفية مصدر قلق وتتحول ساعات الانتظار إلى أعمار طويلة وتغدو عبارة (الحمد لله- حالتها مستقرة) أجمل خبر يمكن أن تسمعه الأسرة في يومها.
وهذا يعني أن المريض ليس وحده من يتألم حين يداهم المرض جسده فهناك قلوب أخرى تتوجع بصمت وأرواح تتقاسم معه الوجع وعيون تسهر حين ينام الناس وأفئدة ترتجف كلما تأخر الطبيب في طمأنتها لإن المرض وإن أصاب جسداً واحداً فإن آثاره قد تمتد إلى أسرة بأكملها فتتحول حياتها إلى رحلة من القلق والترقب والدعاء ويصبح الجميع مرضى بطريقة لا تكشفها التحاليل ولا ترصدها الأجهزة الطبية.
فالمريض يتألم من مرضه وأسرته تتألم من أجله وربما كان ألم الخوف على من نحب أشد وطأة من الألم الذي نشعر به في أجسادنا.
ولعل أصعب ما في تجربة المرض ليس الألم الجسدي وحده بل ذلك العجز الذي يشعر به المحبون وهم يشاهدون عزيزاً عليهم يتوجع دون أن يستطيعوا أن يحملوا عنه شيئاً من ألمه فالأب الذي اعتاد أن يكون سنداً لأسرته حين يمرض يشعر أبناؤه بأن جدار الأمان قد أصابه الوهن والأم التي كانت مصدر الحنان والطمأنينة حين ترقد على سرير المرض يشعر البيت كله بأن دفئه قد غاب وأن شيئاً من روحه أصبح معلقاً بعودتها سالمة.
أما الزوج حين تمرض زوجته أو الزوجة حين يمرض زوجها فإن المرض يكشف وجهاً آخر من وجوه الوفاء حيث تتراجع تفاصيل الحياة الصغيرة أمام قيمة واحدة عظيمة هي أن يبقى من نحب بخير عندها ندرك أن السعادة ليست دائماً في وفرة المال ولا في اتساع المنازل ولا في كثرة الممتلكات وإنما في أن نستيقظ فنجد أحبتنا يتمتعون بالصحة والعافية.
والحقيقة التي لا يدركها كثيرون أن خلف كل مريض أسرة تخوض معركة نفسية قد لا تقل قسوة عن معركته مع المرض.
هناك من يرافق المريض إلى المستشفى وهناك من يتولى مسؤوليات المنزل وهناك من يتحمل الأعباء المالية وهناك من يخفي دموعه حتى لا يزيد المريض حزناً ومن يبتسم أمامه بينما قلبه مثقل بالخوف وهناك من ينام ساعات قليلة ويستيقظ على صوت هاتف أو حركة ممرض ويتعلم قراءة ملامح الأطباء قبل أن يسمع كلماتهم.
وهؤلاء جميعاً يحتاجون إلى الرعاية والاهتمام وإن لم يحملوا ملفات طبية ولم تُصرف لهم وصفات علاجية.
وهنا تتجلى قيمة التكافل الاجتماعي في أسمى معانيه فزيارة المريض فضيلة والسؤال عن أسرته فضيلة أخرى والدعاء له عمل نبيل ومساندة أهله نفسياً ومشاركتهم وجدانياً لا تقل أهمية.
إن الوقوف مع أسر المرضى ليس مجرد واجب اجتماعي بل هو اختبار حقيقي لصدق العلاقات الإنسانية ففي أوقات الرخاء تكثر المجاملات أما في أوقات الشدة فتظهر معادن الرجال والنساء ويتبين الفرق بين من يحضر في المناسبات ومن يحضر عند الشدائد.
فالمرض لا يختبر قوة الجسد وحده بل يختبر صبر الأسرة وصدق المحبة وعمق الوفاء وقدرة الإنسان على العطاء حين يكون في أمسّ الحاجة إلى من يسانده.
قبل الختام : إذا زرتم مريضاً فخففوا الزيارة وأكثروا من الدعاء له ولا تنسوا أسرته من الدعاء لهم بشفاء مريضهم وانصحوهم بالصبر والتفاؤل والطمأنينة.
ختاماً : اللهم اشفِ كل مريض وألبسه ثوب الصحة والعافية واربط على قلوب أهله ومحبيه واجعل لهم بعد كل ألم راحة وبعد كل خوف طمأنينة وبعد كل ابتلاء فرجاً.
• كاتب رأي ومستشار أمني

