لا تُبنى علاقة المؤسسات بجمهورها بالرسائل الإعلامية والفعاليات فحسب، بل تتشكل من خلال تعاملها اليومي مع المستفيدين، واهتمامها باحتياجاتهم، وحرصها على تلبية تطلعاتهم.
وقد جاءت فكرة هذا المقال بعد زيارتي لمركز صحي الحرة الغربية بالمدينة المنورة، حيث لمست مستوى الرعاية الصحية، وسهولة الإجراءات، وبشاشة الاستقبال. ولم يتوقف الأمر عند انتهاء الزيارة، بل تلقيت اتصالًا هاتفيًا من الفريق المختص بمتابعة تجربة المستفيد، للاستفسار عن تقييمي للخدمة ومدى رضاي عنها، وما لديّ من ملاحظات أو مقترحات لتحسينها. وكانت هذه التجربة دافعًا للتأمل في أهمية التكامل بين خدمة العملاء وعلاقات العملاء في بناء الثقة وتطوير تجربة المستفيد.
وعلى الرغم من التقارب بين المصطلحين، فإن لكل منهما دورًا مختلفًا يكمل الآخر. فخدمة العملاء تُعنى بالتعامل المباشر مع المستفيد، واستقبال استفساراته وطلباته، ومعالجة شكاواه، وتسهيل حصوله على الخدمة. وهي نقطة الاتصال التي يتشكل من خلالها انطباعه عن المؤسسة.
أما علاقات العملاء، فتتجاوز تقديم الخدمة إلى بناء علاقة مستمرة مع المستفيد، والتعرف على احتياجاته، والاستماع إلى ملاحظاته، وقياس رضاه، والعمل على تحسين تجربته والمحافظة على ثقته.
وتختلف المسميات من جهة إلى أخرى بحسب طبيعة نشاطها والخدمات التي تقدمها؛ ففي الوقت الذي تستخدم فيه جهات حكومية مصطلحي خدمة العملاء وعلاقات العملاء، نجد في القطاع الصحي مسميات أكثر ارتباطًا بطبيعة الخدمة، مثل تجربة المريض ورضا المستفيد، كما في تجربة وزارة الصحة من خلال قنواتها المعنية بالتواصل مع المستفيدين، ومنها مركز الاتصال (937). ورغم اختلاف المسميات، فإن الهدف يظل واحدًا، وهو تحسين تجربة المستفيد، والاستماع إلى ملاحظاته، والارتقاء بجودة الخدمة.
وهنا يبرز دور العلاقات المؤسسية والعامة، التي لم يعد عملها مقتصرًا على التواصل الإعلامي وتنظيم الفعاليات، بل يمتد إلى تعزيز علاقة المؤسسة بجمهورها، وترسيخ الثقة وتحسين صورتها لدى المجتمع. فالعلاقة الجيدة لا تصنعها الكلمات وحدها، بل تؤكدها المواقف والتجارب اليومية.
ومن وجهة نظري، أرى أن من المناسب أن تكون علاقات العملاء ضمن منظومة العلاقات المؤسسية والعامة في الجهات الحكومية، لارتباطها ببناء العلاقة مع المستفيد والمحافظة عليها، فيما تبقى خدمة العملاء ضمن الإدارات التشغيلية المختصة بتقديم الخدمات ومعالجة الطلبات والشكاوى، مع أهمية التنسيق وتبادل المعلومات بين الجانبين.
إن نجاح المؤسسة لا يُقاس بسرعة إنجاز المعاملات فحسب، بل بما تتركه من أثر لدى المستفيد؛ فخدمة العملاء تُحسن تقديم الخدمة، وعلاقات العملاء تبني العلاقة، والعلاقات المؤسسية والعامة تعزز الثقة وتحافظ عليها.
وتبقى ثمرة هذه المنظومة إتقان العمل واستشعار المسؤولية في خدمة الإنسان، وهي قيم استقيناها من نهجنا الإسلامي الذي يحث على الإحسان والإتقان، وتعززها توجيهات حكومتنا الرشيدة – حفظها الله – للارتقاء بالخدمات وتحقيق تطلعات المستفيدين.
