“ولد عيضة”لفتت نظري هذه العبارة عندما سمعتها ذات يوم في إحدي المجالس الخاصة من صديق عزيز فأعجبتني طريقة نُطقها فقد كانت بصورة عفوية لقائلها وكان لها وقع خاص في نفسي ! ومباشرةً سألته وسط تبسمات عابرة من هو ولد عيضة؟ وعرفت تفاصيل هذا الاسم كاملة وهي تخص شاب محترم من عائلة محترمة في ذلك الحي المكي الشهير. ولا أعلم لماذا تذكرت في الحال تلك القصة الطريفة لأحد كتاب الرأي المتميزين في عالم الصحافة السعودية حين صادف في طريقه يوماً شخصين على النقيض تماماً فبينما كان الأول يبدي إعجابه بهذا الكاتب الكبير ويضفي عليه المزيد من الثناء والمدح في طريقة أسلوبه في الكتابة، ومدى جودة مقالاته، حيث كان الكاتب يعتمد على الترجمة في أغلب مقالاته الرائعة، فيما كان الآخر يذكره بأيام الحارة القديمة عبر المواقف العديدة والأحداث المختلفة ويناديه في النهاية ياولد لطيفة..! فنسف بهذه الكلمة كل ذلك الثناء والتبجيل وكأنه أعاده إلى المربع الأول من حياته السابقة..!
ومثل هذه المواقف الطريفة والمحرجة في نفس الوقت تُعيد بعض الأشخاص إلى سابق عهدهم، وتذكرهم بماضيهم القديم من حيث نشأتهم المتواضعة في بدايات حياتهم البسيطة فإن كان فيهم شيء من التغير غير المحمود بعد أن وصلوا إلى مراتب متقدمة أو مناصب عليا فإنها ترجعهم إلى حيث الأساس في مسقط رأسهم وبداية خُطاهم الحياتية. فكم ممن تعلى المناصب المؤقتة نسي فيها للأسف أهله وجيرانه وأصدقائه وكأنه مُخلد في المنصب ولا يعلم أن الحياة ماهي إلا مراحل متغيرة إلى أن يصل إلى المرحلة الأخيرة التي لابعدها مرحلة..! ولا يزال الناس في المجتمع المكي وفي بعض المناسبات الاجتماعية يتداولون السيرة الناصعة لذلك الوزير النبيل الذي كان يخلع ثياب صاحب المعالي ويجلس بجوار والده الكريم في متجره بكل أدب وتواضع رحمهما الله تعالى، بل ويقضي مصالح الناس ما استطاع. وعندما عاد إلى سابق عهده بعد أن ترجل عن المنصب لم يتغير عليه شيء من حوله فهذه شخصيته الحقيقية قبل وبعد المنصب.
إن ابن الحارة الأصيل، وحتّى ابن تلك القرية إنما هو ذلك الإنسان الذي لا ينسى أهل حارته، أو قريته مهما علا في شأنه، ومهما كان منصبه والشيء بالشيء يذكر فلازلت أتذكر ذلك المسؤول المكي القدير صاحب المنصب الرفيع في إحدى المؤسسات التعليمية حين مررت مصادفة من جوار منزله ذات مساء وهو على رأس العمل فوجدته في مركازه المعتاد مع مجموعة من الأشخاص البسطاء فتعجبت فأغلب الوجوه المتواجدة يغلب عليها البساطة والتواضع وحين سألت من يعرفه شخصياً تبسم وقال لي: كل الجالسين معه من أبناء حارته لم يغيره المنصب، ولم تغيره المكانة الاجتماعية الجديدة. وعندما تعرفت عليه لاحقاً وذكرته بماشاهدته قال لي:أنا عرفت حقيقة المنصب وعرفت أنني لم أصل إليه حتّى غادر مسؤول آخر قبلي، وسوف يكون الدور علي يوماً ما حين يأتي مسؤول من بعدي وهكذا هي الدنيا ولكن لمن يدرك فقط. على أي حال الشخص في حياته يسير على ما تعلم وتربى من قيم راسخة، ومبادئ ثابتة تكون نبراساً له في كل حياته وفي كل تعاملاته، ولا عزاء للمتغيرين.


